روايات أهل القرية - ترشيحا - قضاء عكا

الحاج الثمانيني (أبوبسام) حميدة، الذي مازالت صور بيته وأرضه حاضرة في ذاكرته، لم تغب على مر السنين.

ويروي حميدة ذكرياته في قريته ترشيحا، قائلاً إن «ترشيحا كانت مركز الثوار، فرئيس الثوار اسمه أحمد علي إبراهيم، كان الثوار يسبقون الجيش الإنجليزي، ويخربون الشوارع التي يمر بها الإنجليز، وذات مرة أمسكوا بجندي إنجليزي، وجابوه إلى ترشيحا، كان اسمه جيمس، أمسكوه ورشقوه بالمياه».

ويضيف «كان الإنجليز عندما يحضرون إلى البلد تقول الناس (غيمت يا شباب)، ويختبئ الناس والثوار، ويخفون أسلحتهم».

وفيما يتعلق بالحياة اليومية في ترشيحا سابقاً، يقول «كل يوم خميس كانت بترشيحا سوق كبيرة يقبل عليها سكان من بنت جبيل والقرى المجاورة لها في جنوب لبنان، ويتسوقون فيها، كما كانوا يأتون من الأردن لبيع الدواب والجمال والحبوب والأقمشة وغيرها».

ويضيف «أما الأفراح الإسلامية فما كانت تختلف عن المسيحية، كلها (دربكة وزقفة)، وكان الفرق الوحيد كنيسة وشيخاً، وكانوا يجلسون مجموعة واحدة قبل العرس، يعجنون ويخبزون، وكل البلد تشارك بعضها بعضاً، وكانت النساء تردد الأغاني التراثية، مثل أم جورج، وأم موسى صبحي، التي كانت تدق العود وتغني، ولما تحضر يقولون (إجت لميا)».

ويتابع حميدة قوله «كانت سيدة اسمها (أم مصباح) تقف خلف العريس وتغني له، وكان الرجال يمشون أمامه، وكانت الأغاني تختلف من بلد إلى آخر، فمثلاً في ترشيحا يغنون: ترشيحا يا ركن الجبل ومزينة برجالها واللي يحاربنا نحاربه وبالسيف نقطع شاربه».

الحاج حميدة ليس وحده من لم تخنه ذاكرته، فقد التقت «الإمارات اليوم» بالمسن أبوزكي الهواري، وهو من السكان الأصليين لترشيحا، حيث يروي لنا ذكرياته فيها قائلاً: «كان يوجد مقهى لـ(الختيارية)، مثل مقهى أبوشريف، وكل فلسطيني يبلغ عمره 60 عاماً يتقاعد ويتردد على هذا المقهى، وكان يوجد أيضاً مقهى علي حمود، الذي يقع في أسفل كراج منزلنا».

ويضيف: «كنت أذهب أنا مع جدي إلى القهوة، ويوجد راديو كبير في البوفيه، والناس يجلسون يسمعون الأخبار أيام الحرب العالمية الثانية، حيث كنا نسمع أخباراً من برلين، وكان اسم المذيع يونس البحري، وفي سنة 1946- 1947 كانت محطة لفلسطين تذيع من رام الله».

حلم العودة

أما الحاج رشيد شريح، الذي يبلغ من العمر 98 عاماً، فمازال يحلم بالعودة إلى قريته الأصلية ترشيحا، على الرغم من أنه يعيش في مخيمات اللجوء في لبنان، أما بقية أفراد عائلته فيعيشون مشتتين داخل فلسطين، وكان قد هجّر من قريته في النكبة المشؤومة عام 1948، وعلى الرغم من تقدمه في السن، إلا أنه يحلم بالعودة إلى قريته ووطنه.

ويقول الحاج شريح: «صمدت ترشيحا أمام العصابات الصهيونية حتى شهر أكتوبر من عام 1948، عندها وبسبب الدفاع المستميت عن القرية من قبل المقاومين، قام الصهاينة بقصف القرية بالطائرات، الأمر الذي أدى إلى سقوط عدد كبير من الشهداء، وبدأت رحلة التشريد والتهجير من فلسطين إلى سورية».

وعن الحياة في مخيم الشتات يقول، إن «حياتنا أمر من الصبر، عشنا في المخيم عند وصولنا إلى لبنان في ازدحام شديد، حيث كنا 16 عائلة في (براكس) واحد، وتحملنا ذلك كله بهدف تنشئة أطفالنا على محبة فلسطين، والتمسك بها، والنضال من أجلها، فكان الجيل الذي نشأ أكثر منا حباً لفلسطين، وأكثر وطنية، فاليوم توفي معظم كبار السن الذين عاشوا في فلسطين، ولم تبق إلا الأجيال اللاحقة».

ويتابع الفلسطيني المهجر قوله: «ليت هناك مجال للعودة إلى فلسطين، فالناس التي ولدت في المخيم تتوق شوقاً إلى العودة، وتموت في سبيلها، فما بالك بنا نحن الذين ولدنا فيها، وعشنا شبابنا فيها بكرامتنا وعزتنا، وفي بيوتنا وعلى أرضنا، لكن هذا الأمر محسوم من عند الله عز وجل، ولا نملك إلا أن نتمنى أن يكون ذلك في الوقت الذي نعيش فيه، وليس في الجيل الذي يلينا والذي لن نعيشه

حكايات ترشيحا - عروس الجليل

 في ذلك المساء البارد من كل عام يحيي ابناء وبنات ترشيحا ذكرى سقوط عروسهم، ذكرى دموع لم تنبض بعد، انه الحنين يضيء سماء القرية ومسيرة مشاعلٍ تنير درب النجوم، انه "يوم ترشيحا"، صرخة دامية من رحم الارض... تناجي الحرية وعودة الحق، صرخة الزيتون وغارسه وابتسامة اطفال تلهو فوق راحتيها...

على انغام مسيرة ابناءك واشواق عيونك في المهجر اكتب ترشيحا، عروسٌ باقية فينا ما دامت الشمس تعبر في السماء.

ترشيحا "عروس الجليل"
هنالك عدة روايات تروى حول اسم القرية، احداها تعود الى "شيحا جمال الدين" قائد عربي مسلم كان في جيش صلاح الدين، عندما قتل طار رأسه من اعلى جبل المجاهد وهبط حيث تقوم ترشيحا فقال الناس "طار شيحا".
تقع قرية ترشيحا على جبل المجاهد شمال فلسطين في الجليل وتحديداً في قسم الجليل الغربي، تبعد 16 كم عن شاطئ البحر المتوسط شرقاً، و25 كم عن الحدود اللبنانية جنوباً، و27 كم عن عكا باتجاه شمال شرق.

عن عروسه حدثني صفوة عوده (1931):
"كان عدد سكان ترشيحا قبل سنة 1948 حوالي 4000 نسمة، لما سقطت الكابري ونزحوا عن الغابسية وام الفرج والنهر وأجو لهون صار عدد سكانها حوالي 5000 نسمة.

ترشيحا اداريا تتبع لقضاء عكا وفيها قائمقام كان اسمه بدر بك فاهوم هو اللي مضى على هويتي بالأنجليزية سنة 1946.
ترشيحا كانت مركز تجاري هام، وخاصة انها واقعة بين عكا وصفد. وبما انها كانت مركز الجليل سموها "عروس الجليل". كانت مركز الصنايعيين، النجارين، الحدادين والميكانيكيين.
كان اللي بدو يصلح بريموس يجي على ترشيحا واللي بدو يصلح لوكس يجي على ترشيحا.
 كل يوم خميس كان بترشيحا سوق كبير ييجوا عليه من بنت جبيل والقرى اللي جنبها ويتسوقوا فيه. كانوا ييجوا من الأردن لبيع الدواب والجمال والحبوب والأقمشة وغيرها."

الحياه المدرسية
كان الإقبال على التعليم في ترشيحا شديداً اذ كان عدد طلاب المدرسة سنة 1937، 350 طالباً. الصف الأول كان يضم اكثر من 60 طالباً وعدد طلاب الصف السابع اكثر من 40 طالباً.
في نهاية الثلاثينات اصبح عدد الذين يقرؤون ويكتبون اكثر من %70 من الرجال. أما مدرسة البنات فقد بدأت في نهاية العشرينات وكان عدد الصفوف فيها ثلاثة ثم زاد الى خمسة في نهاية الثلاثينات.
من ذكريات المدرسة روت لنا غوسطه دكور (1930):
 "كان في مديرة أسمها نصرة، وفي عبلة عزّام من عكّا، ومعلمة أسمها منوّر، يعني كان في عنّا تقريبا 5 معلمات.. أوّل معلمة طلعت بترشيحا هي بنت علي أبو حميدي، اسمها عليا، ولما تخرجت عملوا إحتفال كبير..  بس كان في معلمين أغراب، مثل كرم حبيب من الرامّه معلّم الانكليزي والاستاذ إسكندر من الخليل اللي سكن في البلد لأنّه ما كان معه سيّاره. كل معلم كانوا ينقلوه من ترشيحا كان يبكي من قد ما كان مبسوط، أنا درست لصف سادس ابتدائي، لو كان على زماننا تعليم كنّا تعلّمنا.. كنت دايما أنا وبنت اسمها رسميّة أبو خريبي نحارب على الأولى في الصف، وآخر شهادة أخذتها كنت الأولى وكانت المعلمة تمدحني وتكتبلي ذكيّة ومفكّرة أهنّئكِ.."

دور نساء القرية في الانتاج والزراعة
عن هذا حدثتني غوسطه دكور:
"كانت النساوين تروح على الوعور، وكنت ألحق أمي وأنا صغيرة، هيّي تحطّب وأنا أجمع الحطب، نسوان الاسلام كانوا يجيبو الحطب على الحمير.. بس المسيحيات ما كان عندهم حمير... كل شغلنا كان على الحطب، خبز، تسخين مي، طبيخ، لا كان غاز ولا إشي.
 قبل ال48 كنت من الصبح أقوم أطلع على كرم التين حتى أجيب سلّة تين لأبوي، كان يوكل تين قبل ما يطلع على الشغل، بتذكر كان يفيّقني ويقولّي يللا يابا، بعرفني أنا نشيطه.. ما تصير الساعة ستة إللا أنا جايبي تين... بعدين ابدأ أعجن وأخبز، كان عمري حولي 15 سنه... اولاد أخوي كانوا صغار، وانا كنت مسؤوله عنهم."

اما المعلمة وفية ابو حسان (1928) حدثتني فقالت:
"أنا كنت أشتغل بالزراعه، كانت كل عيلة تنزل وتزرع دخّان وتعشّب وتحوّش صبر وتين وبندوره وخيار، أمّا النسوان الحبالى ما كانوا ينزلو، من زمان ما كان في مستشفيات كان في ثلاث دايات: أم أحمد البدوي وأم عبدو الشريح وأم صعد الله.. وكل داية إلها العائلات اللي تخلّفها.
 بالنسبة للعناية بالاطفال الصغار، الشغل كان يتقسم بين الحماه والام.. يعني اذا كانت الحماة قويّة بتروح تشتغل بالارض، وإذا مش قويّة، تقعد بالبيت وتدير بالها على الاولاد لحد ما امهم ترجع من الارض..بس اللي ما في عندها حماه كانت تاخذ ابنها معها على الأرض، يحطّو اكياس على الارض تحت الشجرة وينام. النسوان كانت تشتغل وتزرع دخّان وخضرة وتساعد زوجها وتشتغل كمان بالبيت."

المقاهي
حدثني صفوة عوده وقال:
 "كان في مقهى للختياريه مثل مقهى أبو شريف، يعني اللي يصير عمره 60 سنه يتقاعد  ويروح على هذا المقهى. كان في كمان مقهى علي حمود تحتنا في الكراج  وكانوا يجيبوا عليه  وحده من نهاريا ترقص فيه وكانت الشباب تروح عليه. أنا كنت اروح  مع سيدي على القهوه، وكان فيه راديو كبير زي البوفيه  يقعدوا الناس يسمعوا الأخبار ايام الحرب العالميه الثانية كنا نسمع اخبار من برلين، كان اسم المذيع يونس البحري، ما كان حدا يفهم عليه. بعدها يطفوا الراديو ويسمعوا لتفسير واحد اسمه فهد الشريح الشاعر وبعد ما يفهموا الأخبار يطلبوا الشاي والقهوه. وقتها كانت أخبار الشرق الأدنى  وأخبار مصر وفي سنة 1946- 1947 كانت محطة لفلسطين تذيع من رام الله."

كوسا ليّا كوسا ليّا غيّروا اسمك عليّا
روت لي غوسطه دكور ضاحكة:
 "بترشيحا كان في شركة باصات لنعيم مسعود، وهو كان شوفير.. وكان في كمان شوفير أسمه محمّد الدقّاق كان دمُّه خفيف، بتذكر مره كان سايق الباص من عكّا لنهريّا لترشيحا ولفسّوطة، كان معه واحد من فسّوطه، لما وصله على فسوطه صار الزلمه بدّو يعزموا على العشاء .. قاللو الشوفير بدّي أروّح صارت الدنيا ليل.. قاللو بدّي أطعميك أكله ما في أطيب منها أسمها كوسا لَيّا.. حطّو الاكلة على الطاولة واللا هي كبّة حيله مزقلطه بعدس.. قاللو شو هاي الاكلة، قاللوا ذوقها ما اطيبها بتحرق.. ومن فسّوطه لترشيحا وهو يقول: كوسا ليّا وكوسا ليّا غيّرو اسمك عليّا، وبترشيحا كبّة حيله وبفسّوطه كوسا ليّا.."

ترشيحا يا ركن الجبل ومزيّنة برجالها...
عن روعة العرس في ترشيحا حدثتني غوسطه دكور
 "الاعراس المسلمه ما كانت تفرق عن الاعراس ألمسيحييه، كلهم دُربكّه وزقفة، بس كان الفرق الوحيد كنيسة وشيخ.. كانوا يقعدو جمعه قبل العرس، يعجنو ويخبزو، وكل البلد تشارك .. كان في نسوان صوتها حلو تصير تغني، مثل أم جورج وأم موسى صبحي اللي كانت تدق عود وتغنّي ولمّا تيجي يقولو إجت لميا.... عند الإسلام كانت وحدة يقولولها أم مصباح كانت تسحج وراء العريس وتغنّي.. كان الرجال يمشوا من قدّام والنسوان وراء. كانت الاغاني تختلف من بلد لبلد، مثلا بترشيحا يغنوا: ترشيحا يا ركن الجبل ومزيّنة برجالها واللي يحاربنا نحاربه وبالسيف نقطع شاربه."

عن الانتداب وثوره 1936
حدثني ميخائيل حداد (1926) قائلاً:
"بال 1936 كنا اولاد بالمدرسه، بتذكر النشيد الوطني اللي كنا نغنيه "بلاد العرب اوطاني، من الشام لبغدان، ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان"، وكنا بالمدرسة نطلع مظاهرات، مره تظاهرنا وين مركز البوليس ومره عند دائره القائمقام، هاي المظاهرات عملناها ضد وعد بلفور.
 ترشيحا كانت مركز الثوار، رئيس الثوار اسمه احمد علي ابراهيم، كان الثوار يسبقوا للجيش الانجليزي ويخربوا الشوارع اللي يفوتو فيها الانجليز. مره مسكوا جندي انجليزي وجابوه على ترشيحا، كان اسمه جيمس، مسكوه ورموه بالمي."

وعن همجية الانتداب حدثتني غوسطه دكور :
"كان الانجليز لما ييجو على البلد تصير الناس تقول "غيّمت يا شباب"، وتصير الناس والثوار تتخبّا، واللي عنده برودي يخبّيها.
الانجليز كانوا يأمروا كل الرجال تنزل على البركة تحت، وين الملعب اليوم بأوّل ترشيحا، هاي البركة نشّفتها إسرائيل. كانت الرجال تنزل تحت ويضلّوا هناك كل النهار، يمنعوهم يطلعو ويوكلو ويشربو... بتذكّر مرّة أبو سامي بشارة دعسوله على إيده وكسروله إيّاها وهنّي يدفشو عند البوّابة، عشان يسألوا إذا في ثوّار واللا لأ... كمان كانوا يدخلوا على البيوت ويصيروا يخربوا ويحرقوا ..
 كنت اسمع واحنا صغار عن ناس كانوا يتهموها بالخيانة، كانوا يجيبوهم من عكا ومن حيفا على ترشيحا، ويحبسوهن بالدّبشه.. يحطّوهم بالبير ويصيروا ينزلولهم الأكل.. بتذكّر مرّه إتّهموا واحد أسمه ركاد الجشّي إنّو بدّو يبيع أرضه لليهود، وأخذوه وقتلوه.."

احتلال القرية
صباح يوم الخميس 48/10/28، حوالي الساعة الخامسة شوهدت ثلاث طائرات قادمة من شمال البلدة وإذ بها تقذف حملها على البلدة. لقد أطلق أهل البلدة الرصاص على الطائرة ولكن رصاصهم من بنادقهم الخفيفة لم يؤثر بها، وبعد ساعة بدأت قذائف المدفعية تسقط على ترشيحا. وقد قدّر مجموع القذائف في الساعة بحدود خمسين قذيفة.

عن احتلال القرية حدثتني غوسطه دكور:
"لمّا قصفوا ترشيحا، ضربوا على الجامع قنبلة ومات حوالي 18 واحد منهم...طلبوا من أبوي ييجي على الجامع عشان يدفن الجثث قبل ما تطلع الريحة، راح ابوي وكام واحد وصاروا يحفروا جوَر بالجامع ودفنوهم...
لما طلعنا من ترشيحا ما كنّا واعيين لإشي، لمّا صارت اول غاره على البلد على الساعة 5 الصبح، كنت أنا قايمه عشان أعجن شويّة عجين لحتى نوخذ خبز معنا، وأبوي قاعد بشرب قهوة... ما حسينا واللا فات عنا أبو محمود الهوّاري... يركض ويصيّح ويقول بيتنا راح.. طلعوا يشوفوا شو صار وأنا لحقتهم.. كان إله أخت اسمها فوزيّة كانت بصفّي... هيّ أوّل وحدة طلّعوها بس ما كانت محروقة، بس لمّا طلّعوا زوجه كامل وإبنه كانوا محروقين.. مات كثير ناس بهاي الغاره، حوالي 18... في بنت عمرها 13 سنة كانت حامل، نطّت من الشبّاك، وإجو لفّوها بحرام وحمّلوها..ما لحقوا يدفنوا كل الجثث لانه اجت كمان غارة وحطوهم بعقد... انا كتير شفت بهاي الحرب... فاطمة الهواري أكلت هوايتين وبالتنتين سلمت، أوّل ضربة إجت بظهرها وأخدوها على بنت جبيل وصحّت، وتاني ضربة كانت تحت الرّدم، كنا نسمعها تقول اللي عم بقيم الرّدم أنا تحت شوي شوي.

 لما اجت الغارة الثانية احنا كنا عند مرج سحماتا، في ناس ماتت وهم بسحماتا وهم هربانين هناك كان في واد منشّف، ضربت الطيّارة هناك وتخبّينا تحت الزيتون، كان عمي يقلنا حطّوا الزيتون بفمكو(كان الزتون صار أسود) بتلاقوا ريقكم فايض وما بتعطشو... وضلينا ماشيين لحتى وصلنا عند أختي على البقيعه.. اليهود كانو يقصفوا عشوائي.. الناس كانت تموت عالطريق.. إخوتي هربوا على لبنان، الشباب كانت تروح على لبنان أكثر.."

احنا تحت الردم طلعونا... احنا تحت االردم طلعونا...
"بترشيحا ماتوا ناس"، حدثتني سعاد حداد، " لما قصفوا البيوت كانت النسوان تنادي احنا تحت الردم طلعونا... احنا تحت الردم طلعونا... لما الناس ماتت تحت الردم وما لاقت حدا يقيمها خافت الناس وطلعت.
الجرحى ولا حدا عالجها..اللي قدر يطلع وهو مجروح طلع.. اللي ماتوا تحت الردم كانوا يحكوا.. الطيارات صارت تضرب والناس خافت.. احنا ما شفنا اليهود الطيارات هي اللي هججتنا.

 احنا هربنا بعد اول غاره على ترشيحا، لما قررنا نطلع كان عندي جهاز كبير، ومش عارفي شو بدي اخذ معي، بالاخر ما اخذنا اشي، اهم اشي نسلم بروحنا، امي عملتلنا اكل، اخذت معها كيس لبنه ومرطبان الجبنة حطته بكيس، واخذت زعتر وخبز، واحنا حملنا شراشف ومخدات، البلد كلها طلعت. لما طلعنا اللي كان يدير باله على الاطفال بس النسوان، الزلمي ما كان يعمل اشي، المرا تقوم بمهمة البيت اكثر من طاقتها، يوم بعد يوم تعجن وتخبز وتغسل على ايدها... تعبنا كتير."

العودة تسللاً
عندما دخل الجيش الإسرائيلي القرية في 30.10.1948 وجد فيها فقط حوالي خمسين شخصا من الشيوخ والعجائز جمعتهم الراهبة ماري لويس حداد التي كانت تقيم في ترشيحا في كنيسة الكاثوليك.
أما باقي السكان فقد نزحوا عن القرية لاجئين إلى لبنان وقسم منهم التجأ إلى القرى المجاورة، واخذ هؤلاء بعد أن هدأت حدّة الاحتلال بالعودة إلى بيوتهم تسللاً وكذلك أخذ بعض الذين ظلوا في منطقة الحدود اللبنانية بالتسلل عائدين إلى القرية تحت جنح الظلام حتى انه لم تنته سنة 1948 إلا وبلغ عدد السكان الذين عادوا إلى بيوتهم حوالي 700 نسمة من مسلمين ومسيحيين، ويقدّر عدد سكانها المهجرين اليوم نحو 60,000 نسمة.

عن العودة روت لي سعاد حداد (1931)
"ستي ام امي من الختياريه اللي بقيو بترشيحا، وكانت تيجي تحامي على بيت ابنها وبنتها، وحكت انه فاتت على البيت وشافت البيت مكسر.

في الي اخ اسمه صبحي وكان مثل النمر، كان عمره 10سنين، قال لإمي بدي اروح ع ترشيحا اشوف البيت، قالتله امي اسا بقتلوك اليهود، ما رد عليها وراح على البيت وشاف ستي، ولما رجع على البقيعه قال لامي ارجعوا ع ترشيحا.
 اخوي صبحي قال لإمي بتقولك ستي ناس كتير رجعوا وقاعدين بالكنيسه، بعد شي شهر رجعنا... رجعنا تهريب... تسللنا بالعتمه لانه بالليل ما كان يكون يهود.. كل البلد تسللت بهاي الطريقه، واحد يقول للثاني وهيك رجعت الناس..."

ام ركاد تعيد شباب ترشيحا
روت لي غوسطه دكور:
"لمّا رجعنا من البقيعه على ترشيحا كانت البلد خربانه، كانت الجثث بعدها بالأرض والكلاب توكل فيهم.. البلد كانت فاضي مع إنّو كان في ختياريّه كثير اللي بقيوا بس ما كانوا يحكو معهم لأنّه بعرفو انه راح يموتوا عن قريب.
اخوتي على لبنان..هذا قبل ما يعملوا القسايم، وراحت خالتي مع واحده اسمها إم ركاد وجابتهم بليلة واحده، عملولهم تحقيق وبعدين اعطوهم القسايم.

 هاي ام ركاد كانت تروح على لبنان تجيب رز وسكّر وعرق  تهريب وعاشت من ورا هالشغلة، وكانت توخد مصاري وتروح تجيب الشباب من لبنان... كثير ناس كانت تموت من الألغام.. كانت النسوان هي اللي تطلع ع لبنان وتجيب الشباب، كانوا يروحو مشي من فسوطه لرميش.. ما كانو يبعتو الرجال لانه يخافو يقتلوهم..."

دخول الرومانية الى ترشيحا
في مارس\فبراير 1949 أحضرت السلطات الإسرائيلية عائلات من القادمين الجدد من رومانيا وأسكنتهم في بيوت ترشيحا الخالية التي هُجّرَ أهلها وتم تركيز العائلات العربية في منطقة واحد.

وعن هذا روت لي غوسطه دكور:
"أوّل ما فات الرومانية على البلد كانوا يطلّعو شخص من داره ويسكنو محله.
بحارتنا ما كان في رومانية بس بحارة الدكاوري طلّعوهم كلّهم وأعطوها للرومانيّه وحاصرو اهل البلد بمنطقه وحده، كان ممنوع نكون قراب على الرومانية.

دار فارس مصطفى عملوها مدرسة لليهود... لما طلعو اليهود باعوا دورهم، احنا اشترينا دار بحارة الدكاوري.. وكان الكنيس جنبنا، صاروا وقتها ييجو اليهود على بيتنا ويطلبوا منا نفوت نضوي ونطفي الكهرباء بالكنيس.. لانه أيام ألجمعه والسبت ممنوع يضووا الكهرباء.

 الرومانية طلعوا من ترشيحا لمّا بنوا الهم المستوطنات، طبعا بنوا معلوت ومعونا على اراضينا، مثلا كرم التفاح وارض الزتون تبعنا بنوا عليه جزء من الموشاف. في ناس رجعت على بيوتها ولاقت الرومانيه ببيوتهم، مثلا دار معين... ضحكوا عليهم وقالولهم هاي البلاد فيها ذهب بس تعالوا..."

ان سقوط ترشيحا بأيدي اليهود في 48/10/30 كان كسقوط سواها من المدن والبلدان الفلسطينية، ولكن ترشيحا كانت أخر حصن اقتحمته الحركة الصهيونية، وللتاريخ نقول إن ترشيحا صمدت وكانت آخر بلدة سقطت في فلسطين والفضل بذلك يعود إلى صمود أهلها صموداً يسجله التاريخ لهم.

المرجع

موقع راخروت 

أجرت المقابلات: رنين جريس

أسعد شاهين.. الحياة على حدّ السكين

أسماء عودة الله  نشر بتاريخ  2019/01/03    باب الواد

Description: i461


“إحكيلي عن بلدي”؛ زاويتنا المصوّرة الجديدة على باب الواد، نروي فيها حكايا الناس والأمكنة وسيرة الأشياء في بلادنا فلسطين، في نصوصٍ قصيرةٍ مُعشّقة بالصورٍ، وبلغةٍ مُتقشّفةٍ. وأولُ نصوص هذه الزاوية نصٌّ لأسماء عودة الله تروي لنا فيه حكاية الحدّاد وصانع السكاكين أسعد شاهين، من ترشيحا.

“إحكيلي عن بلدي”؛ زاويتنا المصوّرة الجديدة على باب الواد، نروي فيها حكايا الناس والأمكنة وسيرة الأشياء في بلادنا فلسطين، في نصوصٍ قصيرةٍ مُعشّقةٍ بالصور، وبلغةٍ مُتقشّفةٍ. وأولُ نصوص هذه الزاوية نصُّ لأسماء عودة الله تروي لنا فيه حكاية “أبو عماد”، الحدّاد وصانع السكاكين أسعد شاهين، من قرية ترشيحا.

****

في حارة الحدّادين في بلدة ترشيحا*، لا يزال أسعد شاهين “أبو عماد”، من مواليد 1926، يصنع السكاكين بالطريقة التقليدية التي ورثها عن أبيه منذ سبعين عاماً. “هاي السكاكين من قرن الخروف، وهاد اللون نادر، هذا الشغل ما بتلاقيه، ما عاد حدا بشتغله”، يقول “أبو عماد”.

بفخرٍ ملحوظٍ، بدأ “أبو عماد” بعرض إنتاجه من السكاكين متعدّدة الأشكال والأحجام أمامي، شارحاً لنا أنَّ معظم زبائنه من الفلّاحين ورعاة “المِعزه”، وسارداً برنامجه اليومي: “بقوم الصبح الساعة 5، وبفطر على فنجان زيت زيتون مع شقفة خبز، والساعة سبعة بكون في المشغل”.

Description: ( أسعد شاهين في مشغله في حارة الحدادين، ترشيحا، أسماء عودة الله، أيلول 2018)

يروي “أبو عماد” أنّه عمل في نهايات الاستعمار البريطاني في فلسطين في “تجليس” سيارات الجيش الإنجليزي وتصليح “مقصّاتها” في مشاغل الصيانة البريطانية في معسكر “كردانة” البريطاني قرب عكا، مُشيراً إلى أنّ الإنجليز كانوا يرسلون العُمّال في هذه المشاغل إلى مشاغلَ مماثلةٍ في أثيوبيا. ويضيف أنّه حين حان موعد نقله مع الفرقة الثانية، وقعت “مناوشاتٌ” بين العمال العرب واليهود في تلك المشاغل وأُغلقت، وسُلِّمت لليهود فيما بعد.

Description:  (سكاكين أسعد شاهين بمقابض من قرون الخروف، ترشيحا، أسماء عودة الله، أيلول 2018)

” أنا تعذّبت كتير بالاحتلال الإسرائيلي”

بعد احتلال قرية ترشيحا على أيدي العصابات الصهيونية في النكبة عام 1948، يقول “أبو عماد”: “حيّدنا عن الحرب، ورُحِت على لبنان، لجأنا إلى بلدتي رميش وبنت جبيل الحدودية، ومنها إلى إقليم التفاح قضاء صيدا، ومكثنا في قرية الصالحية”.

في حديثه معنا، يمرّ أمام “أبو عماد” شريطُ ذكرياته الطويل، متذكّراً محاولات عودته إلى ترشيحا خلسةً في الليل، وكيف كان الجيش الصهيوني يلاحقهم عبر الحدود.

ويستذكر “أبو عماد”: “أقاموا محكمةً من هيئةٍ من الضباط في القرية للبحث عن الأسلحة، وكانت هناك فرقةٌ لقتل من يكذب ويخفي الأسلحة. حين نادى الضابط باسمي، وقال:

“يا مختار شو في عنده أسعد شاهين؟”
ردّ المختار: “في عنده بارودة طليانية وجفت خلع نمرة 12 بلجيكي”.
قال الضابط: “وين البارودة؟”، ردَّ المختار: “سلَّمها البارودة”.
 “جفت الخلع وينه؟”

ويُكمل شاهين حكايته هذه بالقول: “كان قد فُرض علينا في تلك الفترة -قُبيل النكبة- أن يمتلكَ كلُّ شخصٍ بارودةً. وحين سألني الضابط عن “جفت الخلع”، أجبته أنه حين اندلعت الحرب ولجأنا إلى لبنان، مَرِض والدي، فقمت ببيعها مقابل مبلغٍ من المال. ثمّ أرسلوا برفقتي جندياً إلى البيت لإحضار ما أريد حمله معي قبل طردي من ترشيحا”.

Description: (أسعد شاهين في مشغله في حارة الحدادين، ترشيحا، أسماء عودة الله، أيلول 2018)

“يالله، يَمّا قومي”

جلبتُ أمي وأختي التي لم تتجاوز الثالثة من العمر، وكانت الحافلات في انتظارنا في ساحة القرية، حيث تجمّع ما يُقارِب المائة فردٍ من القرية. وتمّ نقلنا إلى قرية اللجون التي كانت تحت سيطرة الجيش الأردني، ثمّ سلَّمها الأردن “لإسرائيل” لاحقاً، مستعيداً “أبو عماد” ذكرياتِ الرحيل القسري عن مسقط رأسه ترشيحا.

وصل شاهين خربةَ المنسيّ قضاء الناصرة، إذ كانت مدمَّرةً على يد عصابة “البالماخ”، عدا بيتٍ واحدٍ كبيرٍ بات فيه مع باقي أفراد قريته. ويضيف “أبو عماد”: “في صباح اليوم التالي، استكملنا رحلة لجوئِنا، حتى وصلنا طريق وادي عارة الواقع تحت سيطرة الجيش العراقي. وتمّ نقلنا في اليوم التالي إلى النادي الإسلامي في جنين، ومن ثمّ إلى مخيم بلاطة في نابلس. ما قدرت أتحمل عيشة المخيم… موت”.

في أوائل عام 1949، ذهب “أبو عماد” لمقابلة قائد الجيش العراقي في نابلس، وأخبره أنّه يريد الذهاب إلى لبنان من أجل جمع شمل العائلة، فقد كان والده لا يزال في لبنان، ولم يَعُدْ معهم.

“أصدر لي الضابط حينها “هويةً” وقال لي “الله معاك”. سافرتُ إلى الزرقاء في الأردن، حيث علمتُ بوجود لاجئين من ترشيحا، استضافتنا عائلةٌ من جيراننا من البقيعة. ومن الزرقاء، عدتُ إلى عمان، وقابلتُ القنصل اللبناني الذي كان ردّه: “معنا أوامر مُشدّدةٌ.. ممنوع أي واحد فلسطيني يفوت على لبنان”.

آنذاك، استطاع صديقه الحيفاويّ، زكي الجدع، التوسّط لـ”أبو عماد” عند المطران “ميخائيل عساف” في جبل اللويبدة، وكان مُقرَّباً من الحكومة الأردنية، فأصدر له بطاقةَ مغادرةٍ من خلال الصليب الأحمر. قطع أبو عماد الحدود السورية الأردنية عند بلدة الرمثا الحدودية، متوجِّهاً إلى درعا، ومنها إلى ساحة المرجة في دمشق، لينام ليلتين في فندقٍ اسمه “أوتيل الروضة”.

Description: (حارة الحدّادين، ترشيحا، أسماء عودة الله، أيلول 2018)

يُكمِل “أبو عماد” قائلاً: “طلعنا الساعة 8 الصبح من دمشق، وصلنا الساعة 8 المسا بيروت”، كانت ثلوج كانون تكسو جبال الشام، وتُغلق الطرقات الواصلة بين دمشق وبيروت.

ويروي “أبو عماد” كيف اضطرّوا إلى السفر شمالاً إلى حمص وحماة، والرجوع إلى بيروت، مروراً بطرابلس: “قضينا تلك الليلة في ساحة البرج التي تُسمَّى اليوم ساحة الشهداء، ونمنا في أوتيل الشرق الكبير”، مضيفاً: “في صباح اليوم التالي، انطلقنا إلى بلدة الصالحية في صيدا، حيث اجتمعنا بوالدي الذي كان يحسِبُنا في عداد الأموات… تنقّلتُ بعد ذلك في لبنان بين الصالحية وحي الأشرفية والمية ومية، لا شغل ولا مصاري، فقلت بدي أرجع على ترشيحا”.

Description: (أسعد شاهين -أبو عماد- على باب مشغله في حارة الحدّادين، ترشيحا، أسماء عودة الله، أيلول 2018)

“عدتُ إلى فلسطين سرّاً، مشياً على الأقدام في الوعر، كلّما شعرنا بتعقّب الجيش الصهيوني لنا، اختبأنا. وبعد ذلك، كفِلنا مطرانٌ من حيفا يُدعى حكيم بيطار. ولدى عودتنا إلى ترشيحا، منحتنا سلطة الحكم العسكري هوياتٍ حمراءَ اللون، وقالوا لي أنت غائبٌ حاضرٌ، قلت :
 “شو غايب حاضر، فش غير الله غايب حاضر… وهَينا”…

****

*ترشيحا، أيّ جبلُ الشيح، والشيح نباتٌ شجريٌّ عطريٌّ. وقيل إنّ أصل الإسم “طارَ شيحا” نسبةً إلى “شيحا جمال الدين”؛ وهو قائدٌ في جيش صلاح الدين الأيوبي. حين استشهد، طارت رأسه من أعلى جبل المجاهد وهبطت، حيث تقوم ترشيحا، فقال الناس “طار شيحا”.

وترشيحا بلدةٌ جبليةٌ تقع في الشمال الشرقي من عكا على بعد 27 كم منها، بارتفاع 500 مترٍ عن سطح البحر. وتحدُّها قرى معليا وسحماتا. في الثورة العربية الكبرى (1936)، وقعت معركة ترشيحا في صباح التاسع من أيلول 1936، وأدّت إلى مقتل العشرات من الجنود الإنجليز، وتبعتها معركةٌ أخرى في كانون الأول 1937، إضافةً إلى عدّة عملياتٍ أخرى ضدّ مقار الجيش الإنجليزي في العام 1938.

احتلّ الصهاينة ترشيحا في 30 تشرين الأول 1948، بعد أن شكلت كابوساً للقوات الصهيونية خلال معارك النكبة في جدين والكابري وتين أبو شريتح، وأقام الصهاينة على أراضيها مستوطنات “معونا، معلوت، كفار فرديم، وعين يعقوب”. وشهدت ترشيحا واحدًة من أكثر العمليات الفدائية في شمال فلسطين بسالةً؛ وهي “عملية ترشحيا” في 15 أيار 1974 في الذكرى السادسة والعشرين للنكبة، والتي أدّت إلى مقتل 24 صهيونياً، تبعتها عمليةُ ترشيحا الثانية في العام 1979.