تاريخ القرية - يبنا / يبنة - قضاء الرملة

  
 
ويبنا في الأصل مدينة كنعانية ،أقامها الكنعانيون القادمون من الجزيرة العربية ، قبل الميلاد بأكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة ، وقد أنشأ الكنعانيون مدناً كثيرة أهمها مدينة أريحا وقد هاجمها اليهود بقيادة  (يوشع بن نون) الذي أحرق مدينة أريحا بمن فيها من السكان ،عندئذٍ بدأ الكنعانيون بإنشاء حصون جديدة ،وأسوار عالية ،لمقاومة هجمات اليهود المتوحشة القادمة من صحراء سيناء وأظن أنه في تلك الفترة ،أنشأ الكنعانيون يبنا بسورها الحصين ،كموقع عسكري يشرف على الطريق ما بين مصر والشام ، وكذلك أسدود.

 
وهذا يعنى  أنه قد مر خمسة آلاف سنة على تأسيس هذا المكان وبنائه ، وربما قبل ذلك ،ولا زالت باسمها حتى يومنا هذا ،وقد أسماها الكنعانيون (يبني) وربما تعني (يبني إيل) أي الرب يبني ، وكلمة (إيل) تعني في الكنعانية (الله) وهذه دلالة على المكانة المقدسة لهذه البلدة منذ القدم ، وعرفت أيضاً باسم (يامينا) ،وأطلق عليها الصليبيون (إيبيلين) ،ثم دعاها العرب ( يبنا)  

 
وقد مرت البلدة بتطورات كبيرة أهمها : أن الرومان أثناء حربهم مع المكابيين، قد أحرقوا المدينة ،ثم هدموها في العام 156 ق.م، ثم أعاد غابينوس الروماني بنائها من جديد ،وأقام فيها ميناءً ينافس ميناء يافا ، وتذكر كتب التاريخ ، أن الامبراطور الروماني (أوغسطوس) قد أهداها إلى الحاكم الروماني لفلسطين (هيرودوس الكبير).

 
وقد جاء في نصوص الحوليات التي تصف حملة (تحتمس الثالث) المنقوشة على جدران معبد الكرنك في مصر ((عندما تصدى للثورة التي اجتاحت الإمارات الآسيوية ، وسيطرة المصريين الفراعنة على الشام ، وقد إنتهى النفوذ المصري في أرض كنعان إلى ثورة كنعانية عارمة ضد المصريين الفراعنة في القرن الثاني قبل الميلاد، مما حدا بالجيش المصري إلى دخول أرض كنعان من غزة ثم إلى خربة (يمنا) ثم إلى مرج ابن عامر حيث  دارت معركة (مجدو) المشهورة والتي انتصر فيها المصريين على الكنعانيين4)) وأغلب الظن أن يمنا هي يبنا ، والاختلاف في النطق يرجع إلى التشابه في مخارج الحروف بين ( م ) و ( ن ) مما أدى إلى الاختلاف في كتابتها فقط.

 
وقد أدخل الإله (حورون) وهو الإله الرئيس في يبنا إلى معابد مصر في أيام (أمنحوتب الثاني) حوالي 1450ق.م. وقد كانت سورية(الشام) ضمن الإمبراطورية المصرية الفرعونية ،وكان الإله (حورون) مساوياً للإله (أيل) الكنعاني      

 
وبعد ما خرب الرومان القدس عام 70م على يد القائد الروماني (تيطس) سمح أهالي يبنا لليهود الإقامة معهم بدافع إنساني ، لكن اليهود اتخذوا يبنا مقراً لمجلسهم الديني المجلس الاستشاري الأعلى للحاخامات  (النهدرين) ، وفيها بدأ اليهود كتابة (المشنة) وهو كتاب تفسير أحاديث النبي موسى (عليه السلام) وهذا دلالة على مدى التسامح الذي يمتاز به الفلسطينيون عبر التاريخ ،عندما سمحوا لليهود بالإقامة عندهم ،لكن اليهود اعتبروا ذلك حقهم الديني عندما أصبحوا أقوياء .

 
وقد جاء في التوراة : أن أحد ملوك بني إسرائيل ويدعى (عُزِّيَّا) ، بمساعدة زكريا الفاهم قد حارب الفلسطينيين في هذه المناطق ،وقد هدم اليهود سور يبنا وسور اسدود6.

 
فتح المسلمون العرب يبنا بقيادة عمرو بن العاص،أ حد أبرز قادة الفتح الإسلامي العربي ، وأنجحهم في الفتوحات الإسلامية ، وقد ذكر اليعقوبي بأن يبنا من أقدم مدن فلسطين.

 
شهدت أرض يبنا معارك ضارية أثناء الحروب الصليبية لمدة 18سنة من العام 1105 وحتى 1123م . وقد صمدت يبنا في وجه الصليبيين طوال هذه السنين بفضل موقعها الإستراتيجي وقلعتها الحصينة، وتمركز القيادة العربية فيها , وفي حرب فاصلة حشد لها الصليبيون كل عتادهم ،انهزم جيش الفاطميين العربي بعد أن دمر الصليبيون قلعة يبنا بالكامل . لكنهم عاودوا بناءها على هيئة حصن سنة 1141 م ، وبذلك أصبحت يبنا أهم موقع دفاعي إستراتيجي ضد الجيوش القادمة من مصر وجنوبي فلسطين ، لكن هذا الحصن انتقل إلى يد المسلمين بعد معركة حطين.

 
ثم أقام فيها الظاهر بيبرس القائد المسلم المملوكي ، واتخذها مقراً لقيادته ، وفيها تلقى نبأ النصر العظيم على التتار في معركة حطين ، شمالي فلسطين عام 1265 م .

 
وقد زار البلدة الرحالة الأمريكي ( إدوارد طومسون ) وكانت يبنا وقتها تخضع لحكم إبراهيم باشا بن محمد علي ، ويقال أن أهالي يبنا وقتها قد تمردوا عليه بسبب استيلاء جنوده على ممتلكاتهم ومخزونهم من المواد التموينية وكانوا ينشدون :

 " إبراهيم باشا يا عكروت -  بدك ضرب بالنبوت " مما دفع طومسون لزيارتها عام 1834م
.

 
وأصبحت يبنا في الثلث الأول من القرن الرابع عشر الميلادي إحدى أملاك أو إقطاعيات الأمير المصري بشناك الناصري الذي باعها فيما بعد بمليون درهم إلى السلطان المملوكي محمد بن قلاوون .

 
جاء في كتاب اليعقوبي8، أن أسامة بن زيد قال : أمرني رسول الله (ص) لما وجهني ،فقال: أُغذ إلى يبنا صباحاً ثم حَرِّف (بالفاء) وفي رواية أخرى ثم حرق (بالقاف) وأرى أن الرواية الأولى هي الأقرب إلى اللغة ودلالتها. وحَرِّّف : أي يغير وجهته أو يجهز نفسه للقتال ، كما في قوله تعالى: ( إلا متحرفاً لقتال ) ، و(أغذ) أي ادخلها صباحاً في فترة الغدو وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس ، أو بمعنى انطلق.

 
نستطيع هنا أن نربط بين الأحداث ونقول: إن الرسول (ص) قد زار الشام في صباه حينما عمل في تجارة زوجته الأولى (خديجة) ،وقد قلنا إن يبنا كانت ممراً لقوافل التجار، ما بين غزة والشام ،ومعلوم أن جد الرسول هاشم بن عبد مناف قد مات في غزة ، وهو مع القافلة التجارية وهذا يعني أن طريق قوافل تجار مكة كانت تمر في غزة ثم يبنا ثم الشام وبالعكس ، وبما أن الرسول(ص) قد ذكر يبنا للقائد العسكري أسامة بن زيد -بغض النظر عن صيغة الحديث- بصفتها موقعاً عسكرياً استراتيجياً، فاغلب الظن أنه -أي النبي- قد رآها في صباه ، أو استراح فيها ، ولهذا بقيت في ذاكرته إلى أن احتاجها موقعاً عسكرياً متميزاً .

 
.وتتيح لنا المصادر الأدبية كثيراً من التفصيلات عن تاريخ يبنة القديم. فهي تظهر في الكتاب المقدس باسم يبنة (أخبار الأيام الثاني 26: 6-8)، ويبدو أنها كانت من مدن الفلسطينيين القدماء. في العصر الهلنستي كانت يبنة مركزاً عسكرياً وإدارياً للمنطقة. وعلى الرغم من وجود سجال في شأن أي الحشمونيين خرّب المدينة، فإن من الثابت أن الرومان انتزعوها من أيديهم يوم احتلوا فلسطين في سنة 63 ق.م. وسموها يمنياً (Iamnia). وقد أمر غابينيوس (Gabinius)، والي سورية (التي كانت تضم فلسطين)، بإعادة بنائها. وفي عهد أغسطس (Augustus)، وُهبت المدينة هدية لهيرودس الكبير(Herod the Great)، ملك فلسطين ومولى الرومان. وقد ازدهرت في ذلك العصر، وصارت مركزاً لناحية بأكملها، وكان ميناؤها أكبر من ميناء يافا. وبعدما خرب الرومان القدس في سنة 70م، نقل اليهود مجمعهم الديني، السنهدرين، إلى يبنة. وقد فتحها العرب بقيادة عمرو بن العاص (توفي سنة 663م)، أحد أبرز قادة المسلمين وأنجحهم. ولا يُعرف الكثير عن يبنة في العصور الإسلامية الأولى. لكن ذكرها ورد بعد ذلك في جملة مصادر تاريخية وجغرافية: من ذلك أن اليعقوبي (توفي سنة 897م) وصفها بأنها من أقدم مدن فلسطين، وبأنها مبنية على تل مرتفع ويسكنها السامريون (من فرق اليهود)؛ وقال المقدسي (توفي سنة 990م تقريباً) إن فيها مسجداً رائعاً؛ وكتب ياقوت الحموي (توفي سنة 1229م) في ((معجم البلدان)) أنها بُلََيْدة قرب الرملة، فيها قبر رجل من أصحاب النبي اختُلف بشأن من هو.
  
في أثناء الحروب الصليبية، شهدت يبنة معارك عدة بين سنة 1105 وسنة 1123م. وفي معركة كبيرة وقعت سنة 1123م، هزم الصليبيون جيوش الفاطميين المصرية. وشيدوا في وقت لاحق سنة 1141م، حصناً في يبنة وحوّلوه إلى موقع دفاعي استراتيجي. لكن هذا الحصن انتقل إلى يد المسلمين بعد معركة حطين. وحدث أن الظاهر بيبرس، قائد المماليك المصريين، كان في يبنة حين تلقى سنة 1265م أنباء انتصار المسلمين على التتر في شمال سورية. في سنة 1596، كانت يبنة قرية في ناحية غزة (لواء غزة)، وعدد سكانها 710 نسمات. وكانت تؤدي الضرائب على عدد من الغلال كالقمح والشعير والمحاصيل الصيفية والسمسم والفاكهة، بالإضافة إلى أنواع أُخرى من الانتاج والمستغلات كالماعز وخلايا النحل وكروم العنب.
  
زار المبشر الأمريكي وليم طومسُن يبنة في سنة 1834، ووصفها بأنها قرية مبنية على تل، ويقيم فيها 3000 مسلم يعملون في الزارعة. وقال أيضاً أن ثمة نقضاً على مسجد يبنة (ولعل المسجد الذي وصفه المقدسي) يدل على أنه شُيّد في سنة 1386.
  
في أواخر القرن التاسع عشر، كانت يبنة قرية كبيرة مبنية بالحجارة على تل. وكان الزيتون والذرة يزرعان شماليها وفي البساتين المجاورة. أما يبنة الحديثة فكان فيها أربعة شوارع رئيسية: إثنان يمتدان من الشرق إلى الغرب، واثنان من الشمال إلى الجنوب. وكان سكانها في معظمهم من المسلمين، وفيها مدرستان ابتدائيتان، إحداهما للبنين والأُخرى للبنات. وقد أُسست مدرسة البنين في سنة 1921، وكان يؤمها 445 تلميذاً في العام الدراسي 1941/1942. أما مدرسة البنات فقد أُسست في سنة 1943، وكان يؤمها 44 تلميذة في سنة 1948. وكان في يبنة، لقربها من البحر، كثير من الينابيع والآبار. وكانت الحمضيات أهم محاصيلها. في 1944/1945، كان ما مجموعه 6468 دونماً مخصصاً للحمضيات والموز، و15124 دونماً للحبوب، و11091 دونماً مروياً أو مستخدماً للبساتين؛ منها 25 دونماً حصة الزيتون.

يبنا في الحرب العالمية الأولى
 

  
استطاع الجيش التركي أخذ كل ما يمتلكه الأهالي من خيول وجمال وحمير ودواب لمساعدة الجيش التركي الذي يدافع عن الوالي العثماني التركي، والذي بدوره يدافع عن الإسلام والمسلمين، ثم صادر الجنود الأتراك كل ما كان يخزنه الأهالي من قمح وشعير وعدس وزيت ومفتول وسمن وبرغل لإطعام جنودهم المسافرين الى حرب الترعة (قناة السويس) لمحاربة الإنجليز هناك، ولا شك أن المئات من شباب البلدة قد أجبروا على الذهاب الى هذه المعركة للدفاع عن حكم السلطان العثماني، الذي يتستر خلف الدين، وقد جعلها حربا إسلامية ضد الكفار الإنجليز، بحيث إذا سرت في شوارع يبنا ومعظم المدن والقرى الفلسطينية، فلن تجد غير العجائز والشيوخ والأطفال، فلم يعد هناك شبان يزرعون ويحصدون، ولم يعد هناك شىء يؤكل في هذه الفترة، فأصبح الرغيف الطازج الحاف أكثر ما يتمناه الميسورون في يبنا، وكان الفقراء يبحثون عن روث الدواب خاصة دواب الأتراك حتى يستخرجون منه الشعير غير المهضوم لغسله وتجفيفة وطحنه للخبز.

فقد وصلت الحياة الأقتصادية في يبنا الى ادنى درجات الفقر، وكذلك في جميع مدن الشام وقراها.

أما الشبان الذين هربوا من أداء الجندية التركية، فلم يكن بمقدور أحدهم الوصول الى القرية او حتى دخول مزارها، خوفا من بطش الأتراك الذين كانوا يداهمون المنازل دوما، ويسجنون الشبان أو يتم إعدامهم ، لأنهم هاربون من خدمة السلطان والله والإسلام. ومن لم يرجع فقد ذهب الى يافا أو حيفا أو بيروت أو أى مكان بعيد الى أن هدأت الحرب ودخل الانجليز البلاد.

وكان ضمن القوات الإنجليزية فيلقا عسكريا كله من الجنود والضباط اليهود، الذين أقاموا في فلسطين بعد ذلك وشكلوا نواة العصابات الصهيونية.

ونعود الى شبان البلدة الذين ذهبوا الى الترعة لمحاربة الانجليز، فقد مات الكثير منهم، لأن اسلحة الجيش الانجليزي كانت متطورة بما فيها من مدافع ورشاشات بينما كان الجندي التركي (العربي) يحمل بندقية وسيفا وسكينا، ومن شبابنا من استشهد، ومنهم من أصيب ومات في الصحراء، ومنهم من استسلم للإنجليز وعاد الى أهله بعد ذلك ، ومنهم من عاد عبر صحراء سيناء بعد فترة طويلة وقد أصابه السأم والمرض من طول السفر دون زاد.

وقد حدثنا الحاج ابو حاتم الجمل مواليد يبنا سنة 1898م في بيته في مخيم رفح ، وكذلك أمينة محمود البوجي مواليد يبنا 1907م بقولهم: لقد خلت البلدة من الشبان أثناء حرب الأتراك والانجليز، حتى لجأت النساء الى الزراعة بدلا من الرجال ، حيث قمن بالأعمال الشاقة في غياب الرجال الى الحرب، رغبة في توفير الطعام لأفراد العائلة، والحفاظ على الشجر الذي يعادل روح الفلاح في الحياة. وقد أصدر الأتراك قراراً بتسخير دواب الأهالي في الحرب، وقد لحق كبار السن دوابهم حتى يسترجعونها بعد انتهاء السخرة، ولكن الحرب أكلتهم وأكلت دوابهم، ولم يبق في البلدة إلا المعتوهين والعجزة ومن لايملك دوابا يلحق بها وكذلك أصدر الأتراك قرارا بمصادرة أكياس الغلة الموجودة في بيوت الفلاحين لإطعام جيش السلطان، وكان الجنود يفتشون بيوت البلدة بيتاً بيتاً بحثاً عن مخزون التموين. وكذلك لم تصرف الحكومة العثمانية رواتب الجنود المقررة لهم إطلاقا، وكان من يملك قرشا ويريد صرفه، يودعه وداع من لا يرجو لقاءه، ولم يكن في يبنا مثل ما في بعض القرى الجنوبية، الجميز الناشف كما هو في غزة وحمامة والجورة وبيت لاهيا وجباليا، فقد كانت تتمتع يبنا بالخير الوفير، ولم يفكر أهلوها يوما بهذه الأزمة الطارئة لهذا كانت أزمتهم الاقتصادية حادة وكبيرة، الى حد كثرت فيه اللصوصية والنهب من القرى المجاورة والدكاكين، من أجل الأكل وإطعام الأهل. وقد قال بكر البوجي عن أمه المرحومة الحاجة عزيزة البوجي مواليد 1885م عن زوجها المرحوم الحاج محمود البوجي والذي كان شاويشاً في الجيش التركي وقد شارك في حرب الترعة: أن الأتراك قد نقلوا الجنود الى نابلس ثم الى القدس، لأخذهم الى بئر السبع، ومنها الى العريش، وقد استعان الأتراك بعدد كبير من البدو لتدريب الجنود على السلاح، وبعد مسيرة أربعة اشهر وصلوا الضفة الشرقية للترعة (قناة السويس) وقد ظهر عليهم الإنهاك والجوع والعطش والمشقة، بعد أن مروا في صحراء سيناء حيث لا أكل ولا ماء، وقد نفقت الخيول والجمال والدواب، فحمل الجنود عتادهم، وعند وصولهم الترعة بدأوا في حفر خنادقهم على طول الترعة، وكان الجو بارداً وكانت العواصف الرملية تشف الوجوه بالرمل الناعم، والبرد القارص، وكانت البواخر الضخمة تعبر القناة محملة بالطعام والشراب، وهم يتلوون من الجوع والعطش، وكان الوهم المسيطر على هؤلاء الجنود، ان الرزق الموجود خلف الترعة من مزارع وأراض سوف توزع عليهم بأمر من الله ورسوله؟!

وكان الجيش الانجليزي يملك طائرات تكشف كل شىء على طول القناة، وطرادات بحرية تجوب القناة ليلاً ونهاراً بأسلحتها الحديثة. بينما غزت اجساد جنود الترك ( العرب) القمل والبعوض لامتصاص ما تبقى في أجسادهم من دماء. وقد كان يتوافر لدى الجنود الانجليز الطعام والشراب بصورة واضحة، بينما كان جنودنا يوزع عليهم كل ثلاثة أيام خبزا ناشفا، ومطلوب منهم الاقتصاد في الأكل، في فترة كان البرد يجمد الأطراف ليلاً، في شهر فبراير، وليس معهم غطاء يكفي لستر الجسد من البرد ومع ذلك كان الجنود يغنون:

السلطان حامينا

  
ويلك يا للي تعادينا

  
وعند ساعة الهجوم على معسكرات الانجليز غربي الترعة، وأثناء عبور الجسر بدأت مدافع الجيش الانجليزي بإطلاق نارها كالجحيم، بينما يحمل جنودنا السيوف والبنادق القديمة، وقد امتلأت الترعة بالجثث، ومع هذا استطاعت مجموعة من الجنود عبور الترعة قبل تدمير الجسر، وعلى أثرها أرسل جمال باشا قائد الجيش الرابع،  برقية الى العاصمة والى الولايات تبشر بالانتصار وبعبور القناة الى مصر، فأقيمت في يبنا كغيرها من المدن والقرى الشامية الزغاريد والأفراح ، والاستبشار بعودة الأبناء منتصرين، ثم ما لبث أن علمت جميع هذه المدن والقرى بالهزيمة، فأقاموا بيوت العزاء، متسائلين عن عودة الأبناء أو موتهم.

وقد افادنا الحاج حامد حسين الجمل وزوجته أمنه يوسف البوجي: أن المئات من شبان أهالي البلدة قد ذهبوا مع الأتراك لمحاربة أهل اليمن الخارجين عن السلطان العثماني وكذلك سافر بعضهم الى العراق (البصرة) لمحاربة الانجليز في الحرب العالمية الأولى ومن الذين ذهبوا الى البصرة ولم يعودوا: ابراهيم خليل البوجي وكان عسكري هجانة مشهور وكذلك ابراهيم عثمان الحارون . و أستطرد الحاج حامد الجمل قائلا: أن كثيرا من الشبان كانوا يذهبون الى الحرب مع الأتراك بمحض إرادتهم في سبيل الله ، وكان عار على المسلم أن يهرب من حرب في جهاد في سبيل الله ونصرة السلطان . وأفادنا الشيخ رجب العطار: أن بعض الرجال كانوا يطلقون اللحى حتى يتهربون من الجندية في عهد الأتراك، لأنه من السنة النبوية ألا يذهب كبار العلماء الى الحرب، ولكن عيون الأتراك كانت تكشف الكاذبين منهم.